مقدمة
من «البندقية المنتصرة» إلى فلوريان
افتتح فلوريانو فرانشيسكوني (Floriano Francesconi) المقهى في نهاية عام 1720 تحت اسم «Alla Venezia Trionfante»، أي «البندقية المنتصرة»، ولم يستغرق الاسم طويلًا قبل أن يبدأ السكان في إطلاق اسم صاحبه على المكان، فأصبح يعرف تدريجيًا باسم «فلوريان»، وفي بدايته كان المقهى يتكون من غرفتين بسيطتين، قبل أن يتوسع مع مرور الوقت ويصبح أحد أبرز مراكز الحياة الاجتماعية في البندقية.
ولم تكن أهمية فلوريان مرتبطة بالقهوة وحدها، فقد تحول منذ القرن الثامن عشر إلى مساحة يلتقي فيها الأدباء والفنانون والمثقفون والسياسيون، وكان من السمات اللافتة في تاريخ المكان ترحيبه بالنساء في وقت كانت فيه مشاركتهن في بعض المقاهي الأوروبية محدودة، الأمر الذي جعل فلوريان مساحة اجتماعية أكثر انفتاحًا من كثير من منافسيه آنذاك.
ضيوف من عالم الأدب والفكر
على مدى قرون، ارتبط اسم فلوريان بعدد كبير من الشخصيات الأدبية والفنية، ومن أشهر من ارتبطوا بالمقهى جياكومو كازانوفا، والكاتب المسرحي الفينيسي كارلو غولدوني، والشاعر الإنجليزي لورد بايرون، إلى جانب أسماء أخرى من الأدباء والمثقفين الذين وجدوا في المكان مساحة للحوار ومراقبة الحياة النابضة في ساحة سان ماركو.
وتجاوز تأثير فلوريان حدود اللقاءات الاجتماعية؛ فالموقع الرسمي يشير إلى أن إحدى الصحف الإيطالية المبكرة، Gazzetta Veneta، ارتبطت بالأجواء الثقافية التي كانت تحيط بالمقهى في القرن الثامن عشر، كما شهدت قاعاته لاحقًا لقاءات وأفكارًا أسهمت في الحركة الفنية والثقافية في البندقية.
صالونات فنية تحولت إلى ذاكرة حية
من أكثر عناصر فلوريان جذبًا للزوار صالوناته التاريخية، التي أعيد تصميمها وتزيينها في القرن التاسع عشر تحت إشراف المعماري لودوفيكو كادورين عام 1858، وتضم هذه المساحات اليوم عددًا من القاعات ذات الطابع الفني المختلف، ومنها :
قاعة الشيوخ (Sala del Senato)
قاعة الرجال العظام (Sala degli Uomini Illustri)
القاعة الصينية (Sala Cinese)
القاعة الشرقية (Sala Orientale)
قاعة الفصول.
قاعة ليبرتي.
وتعرض قاعة الرجال العظام صور عشر شخصيات بارزة في تاريخ البندقية، من بينهم ماركو بولو وتيتيان وغولدوني وبالاديو وغيرهم، بينما تتميز القاعات الصينية والشرقية بزخارف مستوحاة من الاهتمام الأوروبي بالشرق في ذلك العصر. أما قاعة الشيوخ، فترتبط بتاريخ الحركة الثقافية والفنية في المدينة، ويذكر فلوريان أنها كانت المكان الذي ولدت فيه فكرة بينالي البندقية في أواخر القرن التاسع عشر.
فنجان قهوة بطقوس عمرها قرون
يحافظ فلوريان حتى اليوم على أسلوب خدمة يمنح زيارة المقهى طابعًا احتفاليًا. فالقهوة والمشروبات تقدم على صوانٍ فضية مصنوعة يدويًا، بينما يرتدي العاملون أزياء رسمية ويتبعون أسلوب خدمة دقيقًا يعكس تاريخ المكان، ويقدم المقهى مزيج Venezia 1720 الخاص به، المصنوع من حبوب أرابيكا مختارة، إلى جانب مجموعة واسعة من أنواع الشاي والحلويات والمشروبات الساخنة والباردة.
ولا يقتصر الأمر على القهوة؛ فالقائمة الحالية تتضمن حلويات ومعجنات وأطباقًا خفيفة ووجبات بطابع مستوحى من المطبخ الفينيسي، إضافة إلى الشاي الإنجليزي وتجارب الإفطار والـAperitivo.
الموسيقى في ساحة سان ماركو
أكثر من مجرد مقهى
خاتمة
إن زيارة مقهى فلوريان لا تختصر في فنجان قهوة أو طبق حلوى؛ إنها تجربة تمنح المسافر فرصة للجلوس داخل جزء حي من تاريخ البندقية، ومن افتتاحه في عام 1720، إلى صالوناته الفنية، وارتباطه بالأدباء والفنانين، ووصولًا إلى تقاليد الخدمة والموسيقى الحية في ساحة سان ماركو، حافظ فلوريان على مكانته بوصفه أحد أشهر المقاهي التاريخية في أوروبا.
ولذلك، فإن الجلوس في فلوريان لا يعني فقط الاستمتاع بالقهوة، بل يعني التوقف قليلًا وسط مدينة عريقة، والاستماع إلى صدى أكثر من ثلاثة قرون من الثقافة والفن والحياة الاجتماعية في البندقية.